العيني
102
عمدة القاري
ذكر ما يستنبط منه : احتج بهذا الحديث أبو حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وعبد الله بن وهب وابن حبيب المالكي على أن سورة النجم فيها سجدة ، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعكرمة وطاووس ومالك : ليس في سورة النجم سجدة ، واحتجوا بحديث زيد بن ثابت ، رضي الله تعالى عنه ، الآتي في الباب الذي يلي هذا الباب ، وسنذكر الجواب عند ذكره ، وروي في هذا الباب عن جماعة من الصحابة . منهم : أبو هريرة رواه عنه أحمد وقال : ( سجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في النجم إلاّ رجلين من قريش أرادا بذلك الشهرة ) . ورجال إسناده ثقات . ومنهم : أبو الدرداء أخرج حديثه الترمذي من رواية أم الدرداء عنه . قال : سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة ، منها التي في النجم . ومنهم : عبد الله بن عمر ، أخرجه الطبراني في ( الكبير ) من رواية مصعب بن ثابت عن نافع ( عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : والنجم ، بمكة فسجد وسجد الناس معه حتى إن الرجل ليرفع إلى جبينه شيئا من الأرض فيسجد عليه ، وحتى يسجد على الرجل ) ، ومصعب بن ثابت مختلف فيه ، ضعفه أحمد وابن معين ووثقه ابن أبي حبان ، وقال أبو حاتم : صدوق كثير الغلط . ومنهم : المطلب بن أبي وداعة ، أخرج النسائي حديثه بإسناد صحيح من رواية ابنه جعفر بن المطلب عنه ، قال : ( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سورة النجم فسجد وسجد من معه ، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد ) ، ولم يكن يومئذ أسلم المطلب . ومنهم : عمرو بن العاص ، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة من رواية عبد الله بن نمير عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن ، منها ثلاث في المفصل ) . ومنهم : عائشة ، رضي الله تعالى عنها : أخرج حديثها الطبراني في ( الأوسط ) من رواية عبد الرحمن بن بشير عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة ( عن عائشة قالت : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنجم ، فلما بلغ السجدة سجد ) . وعبد الرحمن بن بشير منكر الحديث . ومنهم : عمرو الجني ، أخرج حديثه الطبراني أيضا من رواية عثمان بن صالح ، قال : حدثني عمرو الجني قال : ( كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة النجم فسجد فيها ) . قال شيخنا زين الدين : وعثمان بن أبي صالح شيخ البخاري لم يدرك أحدا من الصحابة ، فإنه توفي سنة تسع عشرة ومائتين ، إلاّ أنه ذكر أن عمرا هذا من الجن ، وقد نسبه أبو موسى في ( ذيله ) : من الصحابة عمرو بن طلق ، وقال الذهبي : عمرو الجني ، قيل : هو ابن طلق ، أورده أبو موسى ، وقال : والعجب أنهم يذكرون الجن من الصحابة ولا يذكرون جبريل وميكائيل ؟ قلت : لأن الجن آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مرسل إليهم ، والملائكة ينزلون بالرسالة إلى الرسول ، صلى الله عليه وسلم . ومما يستنبط منه : أن رؤية الإنس للجن لا تنكر ، وأنكرت المعتزلة رؤية الإنس للجن ، واستدل بعضهم بقوله تعالى : * ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) * ( الأعراف : 72 ) . مع قوله : * ( إلاّ إبليس كان من الجن ) * ( فصلت : 05 ) . وأجاب أهل السنة بأن هذا خرج مخرج الغالب في عدم رؤية الإنس الجن أو الشياطين ، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم الشيطان الذي أراد أن يقطع عليه صلاته ، وأنه خنقه حتى وجد برد لسانه ، وأنه قال : ( لولا دعوة سليمان لربطته إلى سارية من سواري المسجد . . . ) الحديث ، وثبت في الصحيح رؤية أبي هريرة له لما دخل ليسرق تمر الصدقة ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة : ( تدري من تخاطب منذ ثلاث ؟ ) وقال فيه : ( صدقك وهو كذوب ) ، لكن أبا هريرة رآه في صورة مسكين على هيئة الإنس ، وهو دال على أن الشياطين والجن يتشكلون في غير صورهم ، كما تتشكل الملائكة في هيئة الآدميين ، وقد نص الله في كتابه على عمل الجن لسليمان ، عليه الصلاة والسلام ، ومخاطبتهم له في قوله تعالى : * ( قال عفريت من الجن : أنا آتيك به . ) * ( النمل : 93 ) . الآية ، ومثل هذا لا ينكر مع تصريح القرآن بذلك وثبوت الأحاديث الصحيحة . وَرَوَاهُ ابنُ طُهْمَانَ عنْ أيُّوبَ أي : روى هذا الحديث إبراهيم بن طهمان ، بفتح الطاء وسكون الهاء وبالنون ، وقد مر في : باب تعليق القنديل في المسجد ، رواه عن أيوب السختياني ، وأخرج الإسماعيلي متابعته من حديث حفص عنه .